الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
146
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
ودين اللّه هو الإسلام لقوله تعالى : إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ [ آل عمران : 19 ] وإضافته إلى اللّه لتشريفه على غيره من الأديان ، أو لأنّ غيره يومئذ قد نسخ بما هو دين اللّه . ومعنى تبغون وتطلبون يقال بغى الأمر يبغيه بغاء - بضم الباء وبالمد ، ويقصر - والبغية بضم الباء وكسرها وهاء في آخره قيل مصدر ، وقيل اسم ، ويقال ابتغى بمعنى بغى ، وهو موضوع للطلب ويتعدّى إلى مفعول واحد . وقياس مصدره البغي ، لكنه لم يسمع البغي إلّا في معنى الاعتداء والجور ، وذلك فعله قاصر ، ولعلهم أرادوا التفرقة بين الطلب وبين الاعتداء ، فأماتوا المصدر القياسي لبغى بمعنى طلب وخصّوه ببغى بمعنى اعتدى وظلم : قال تعالى : إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ [ الشورى : 42 ] ويقال تبغّى بمعنى ابتغى . وجملة وَلَهُ أَسْلَمَ » حال من اسم الجلالة وتقدم تفسير معنى الإسلام للّه عند قوله تعالى : فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ [ آل عمران : 20 ] . ومعنى طَوْعاً وَكَرْهاً أنّ من العقلاء من أسلم عن اختيار لظهور الحق له ، ومنهم من أسلم بالجبلّة والفطرة كالملائكة ، أو الإسلام كرها هو الإسلام بعد الامتناع أي أكرهته الأدلة والآيات أو هو إسلام الكافرين عند الموت ورؤية سوء العاقبة ، أو هو الإكراه على الإسلام قبل نزول آية لا إكراه في الدين . والكره - بفتح الكاف - هو الإكراه ، والكره - بضم الكاف - المكروه . ومعنى وإليه ترجعون أنه يرجعكم إليه ففعل رجع المتعدّي أسند إلى المجهول . لظهور فاعله ، أي يرجعكم اللّه بعد الموت ، وعند القيامة ، ومناسبة ذكر هذا ، عقب التوبيخ والتحذير ، أنّ الربّ الذي لا مفر من حكمه لا يجوز للعاقل أن يعدل عن دين أمره به ، وحقه أن يسلم إليه نفسه مختارا قبل أن يسلمها اضطرارا . وقد دل قوله : وإليه ترجعون على المراد من قوله : وَكَرْهاً . وقرأ الجمهور : وإليه ترجعون - بتاء الخطاب - ، وقرأه حفص بياء الغيبة . [ 84 ]